محمد هادي معرفة

163

التمهيد في علوم القرآن

مشاركة بمجرى العادة . وأمّا من جعل جهة إعجازه ما تضمّنه من الإخبار عن الغيوب ، فذلك لا يشك أنّه معجز لكن ليس هو الذي قصد به التحدّي وجعل العلم المعجز ، لأنّ كثيرا من القرآن خال من الإخبار بالغيب ، والتحدّي وقع بسورة غير معيّنة . . . وأمّا من جعل وجه إعجازه انتفاء الاختلاف عنه فإنّما يمكن أن يجعل ذلك من فضائل القرآن ومزاياه ، وأمّا أن يجعل ذلك وجه الإعجاز فلا ، لأنّ الناس يتفاوتون في انتفاء الاختلاف والتناقض عن كلامهم ، فلا يمتنع أن ينتفي ذلك كلّه عن كلام المتيقّظ المتحفّظ ، فمن أين أنّ ذلك خارق للعادة ، وقوله تعالى : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 1 » فإنما يعلم به أنّه لو كان من جهة غيره لوجد فيه اختلاف كثير بعد العلم بصحّة القرآن وكونه صادرا من جهته ، فأمّا قبل ذلك فلا « 2 » . وهكذا تعرّض القطب الراوندي الحديث الصرفة - على ما ذهب إليه المرتضى - واستوفى البحث فيه على أسلوبه الكلاميّ الجدلي . قال - فيما ذكر من وجوه إعجاز القرآن - : « فأوّل ما ذكر من تلك الوجوه ، ما اختاره المرتضى ، وهو أنّ وجه الإعجاز في القرآن أنّ اللّه سبحانه صرف العرب عن معارضته ، وسلبهم العلم بكيفيّة نظمه وفصاحته ، وقد كانوا - لولا هذا الصرف - قادرين على المعارضة متمكّنين منها » . قال : استدل المرتضى ( رحمه اللّه ) على أنّه تعالى صرفهم عن المعارضة ، وأنّ العدول عنها كان لهذا ، لا لأنّ فصاحة القرآن خرقت عادتهم . . . بأنّ الفصل بين الشيئين إذا كثر لم تقف المعرفة بحالهما على ذوي القرائح الذكيّة دون من لم يساوهم ، بل يغني ظهور أمر بهما عن الرويّة بينهما ، وهذا كما لا يحتاج إلى الفرق

--> ( 1 ) النساء : 82 . ( 2 ) تمهيد الأصول من جمل العلم والعمل : ص 344 - 345 .